İslamic Source

دليلٌ مهمٌ جدًا حول البرنامج

İslamic Source

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله.

في حياتنا اليومية، نعيش جميعاً في مشاغل متعددة. ولكل منا أعماله وواجباته ومسؤولياته المختلفة. وبطبيعة الحال، ولتمكين أنفسنا من إنجازها جميعاً، لا بد من وضعها في ترتيب ونظام وبرنامج محدد. إن الانضباط والنظام والترتيب في معظم أمور الحياة، كبيرة كانت أم صغيرة، يزيد بشكل كبير من الاستمرارية والقدرة على التطبيق، وبذلك يرفع من نسبة النجاح بشكل ملحوظ. لهذا السبب، سنحاول في مقالنا هذا التطرق إلى أهمية إعداد برنامج يومي/أسبوعي، وكيفية الالتزام بالبرنامج وأسباب عدم قدرتنا على الالتزام به، وكيف ينبغي أن يكون البرنامج المثالي، وأركانه الأساسية وما لا يمكن الاستغناء عنه، إن شاء الله.

قبل قراءة هذا المقال، نوصيكم بشدة بقراءة مقال دليل النوم ثم مقال دليل الرياضة بالترتيب، لما بينهما وبين هذا المقال من ترابط وثيق، ولتتضح الصورة لديكم وتستوعبوا أهمية هذه المسائل دون أن تبقى أي علامات استفهام. وسنسعى في هذا المقال أيضاً للتعامل مع المسألة من الناحيتين الشرعية والعلمية بقدر ما تسعفنا به ألسنتنا، إن شاء الله. السعي منا، والتوفيق من الله عز وجل. بسم الله.

لماذا يعتبر إعداد البرنامج أمراً مهماً؟

إعداد البرنامج بأبسط صوره يعني ترتيب الأعمال والخطوات الواجب القيام بها وفق تسلسل زمني. ولكن الاقتصار على الترتيب الزمني وحده لا يكفي لإعداد برنامج جيد. فحياة الإنسان ذات بنيان متعدد الأجزاء. ولكل فرد أعمال يجب عليه القيام بها ومسؤوليات يحملها. علاوة على ذلك، فإن معظم الأعمال تنقسم في ذاتها إلى مراحل وخطوات. فمن أصغر الأعمال إلى أكبرها، نجد أنها تتطلب تخطيطاً وبرمجة بنسب متفاوتة. وإلا فإن الأعمال التي يُبدأ فيها بعشوائية وبدون خطة تتداخل فيما بينها وتصبح أشد صعوبة مما ينبغي. والحاجة إلى التخطيط والبرمجة قائمة في كل حال؛ من إعداد وجبة طعام إلى إدارة حرب، ومن وضع برنامج يومي إلى تخطيط الشركات. وخلال اليوم، لدى كل منا مهام كثيرة وأشياء يرغب في تحقيقها؛ كقضاء الحاجات الأساسية، والعناية الشخصية، وقضاء وقت مع الأحبة، وممارسة الرياضة، وأداء العبادات. ولكن هذه الأفعال إذا لم تُوضع في ترتيب صحيح، قد لا تُنجز أبداً بسبب الأحداث التي تطرأ خلال اليوم، وفي نهاية اليوم يجد المرء نفسه لم يحقق أي هدف من أهدافه، ولكنه ينتهي منهكاً ومحبطاً بسبب حالة الغموض والضغط المستمر. ومن الناحية العلمية، فإن الفطرة البشرية تكره الغموض؛ إذ يؤدي الغموض إلى القلق والتوتر. كما أن الضغط الإضافي الذي تفرضه مسؤولية الأعمال الواجب إنجازها يجعل الإنسان تحت وطأة استرسال نفسي أشد، فيفقد قدرته على التفكير السليم. وإذا نظرنا من الناحية الشرعية، نجد أن الله تعالى بحكمته البالغة قد فرض على الإنسان 5 صلوات في اليوم والليلة، وجعل لكل صلاة وقتاً محدداً. أي إن أوقات الصلاة قائمة على برنامج محدد؛ فلكل صلاة وقت معلوم وعدد ركعات يحدد كيفية أدائها.

وعند النظر إلى كل هذا، تتجلى أهمية امتلاك برنامج يومي منتظم. ولكن ليس كل برنامج هو البرنامج الصحيح. فالكثير منا، رغم امتلاكه لبرنامج، يجد صعوبة في الالتزام به. فما السبب في أن أي برنامج لا يؤدي الغرض؟

لماذا لا نستطيع الالتزام بالبرنامج؟

قد نجد صعوبة في الالتزام بالبرنامج اليومي/الأسبوعي حتى وإن كنا نمتلكه. وهنا قد لا تكون أنت الملوم دائماً؛ لأن المشكلة في بعض الأحيان قد تكون في البرنامج نفسه وفي طريقة إعداده. كما أنه ليس كل برنامج مناسباً لكل شخص. تعالوا نتعرف على بعض العوامل التي تحول دون التزامنا بالبرنامج.

1. البرنامج المزدحم جداً والجامد (الستاتيكي)

قد تبدو بعض البرامج مثالية من بعيد؛ عشرات المهام الكبيرة في يوم واحد، وساعات من الرياضة، وقواعد صارمة، ويوم مقسم دقيقة بدقيقة، فيخيل إليك للوهلة الأولى أنه البرنامج الذي تحتاج إليه للنجاح. لكن الواقع ليس كذلك. لأن مثل هذه البرامج المزدحمة للغاية تكون غالباً بعيدة كل البعد عن واقع الحياة. ففي حياتنا اليومية قد تقع العديد من الأحداث غير المتوقعة. وهذا الوضع بعيد جداً عن الهدوء والقدرة على التنبؤ التي يتطلبها برنامج مزدحم ومقسم بالدقيقة، إذ إن أصغر خلل يطرأ خلال اليوم كفيل بإرباك البرنامج بأكمله. فالحديث عن الحياة هو حديث عن نمط ديناميكي ومتغير لا يقبل الجموع أو الثبات مطلقاً. ويمكن ملاحظة ذلك حتى في طبيعة الأشياء الجامدة؛ فالأدوات غير المستخدمة تغطيها الأتربة وتتسخ وتتآكل وتصبح غير صالحة للاستعمال مع مرور الوقت. وكذلك الإنسان، إذا لم يتحرك القدر الكافي، فإنه يتعرض لآثار سلبية بدنية ونفسية. والأمر ذاته ينطبق على الحياة؛ فعندما تتغير ساعات النهار والليل بالزيادة والنقصان طوال العام، فكيف يمكنك وضع برنامج بساعات ثابته وتطبيقه في تدفق الحياة الديناميكي المليء بالمفاجآت؟ إن إعطاء برنامج جامد لإنسان هو كائن حي ديناميكي يعيش حياة ديناميكية يشبه العمل بأدوات مصنوعة من الزجاج. فالزجاج رغم أنه مادة صلبة في الأصل، إلا أنه سريع الكسر لعدم مرونته. وهذه البرامج الصارمة للغاية تشبه الزجاج تماماً، فهي عرضة للكسر في أي لحظة. أضف إلى ذلك أن الإنسان ليس آلة، بل هو كائن له مشاعر، ويملّ، ويتعب، وله احتياجات مختلفة. ولهذا، فإن البرامج المزدحمة جداً، وإن بدت مثالية، قد تضر أكثر مما تنفع على المدى البعيد. بل إن المرء قد يضطر للتضحية بنومه وصحته وأحبائه وأمور أخرى كثيرة في سبيل الالتزام بهذا البرنامج. ومحاولة إصلاح هذه الأوضاع بالمكملات الصناعية لا تحل المشكلة. ويمكننا رؤية الإرهاق الناتج عن البرامج المزدحمة حتى في طبيعة الأشياء؛ فمهما كانت الأداة قوية، فإن الاستخدام المفرط والجامد سيجعلها غير صالحة للاستعمال عند نقطة معينة. ومن الناحية الشرعية، نجد أن الله تعالى لما فرض علينا الصلوات الخمس في كل الأحوال، جعل لها نطاقات زمنية موسعة؛ أي إنه أُعطي لنا هامش زمني مرن لأداء هذه الفريضة. كما أننا عند النظر إلى سنة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) نجد أنه كان يختار الأيسر دائماً. كما أن الإسلام ينهى المرء عن إرهاق نفسه حتى في العبادة، ويحث على العمل القليل الدائم بدلاً من العمل الكثير المنقطع.

2. البرنامج غير المتوافق مع الأولويات

من أسباب عدم قدرتنا على الالتزام بالبرنامج أيضاً أن يكون هذا البرنامج غير محدد وفقاً لأولوياتنا واحتياجاتنا الخاصة. فمثلاً، في الوقت الذي تحتل فيه الرياضة مساحة كبيرة وأهمية بالغة في برنامج الرياضي المحترف، فإنها بالنسبة للشخص العادي -رغم حاجته إليها- تتطلب وقتاً وأهمية أقل مقارنة بالرياضي المحترف. أو كما أن الطفل في سن المدرسة يلزمه تخصيص وقت لدروسه بينما الأب المعيل يلزمه تخصيص الوقت لعمله، فإن لكل فرد أولويات مختلفة باختلاف حالته.

3. البرنامج السيئ الترتيب

كما أن تخطيط العمل وبرمجته أمر مهم، فإن برمجته بالترتيب الصحيح لا تقل أهمية عن ذلك. يمكنك التفكير في هذا مثل وصفة الكعكة. لإعداد الكعكة، يجب تطبيق الوصفة خطوة بخطوة. أولاً نكسر البيض، ثم نضيف الطحين والسكر والمكونات الأخرى، ثم نخلط جيداً، ثم نكسر الخليط في القالب، ثم نضعه في الفرن، وبعد النضج نضع التزيين إن وجد، ثم ننتظر حتى تبرد، وبعد ذلك نقطعها ونقدمها. ولكن إذا لم نقم بهذه الخطوات بالترتيب الصحيح، وضعنا المكونات الأخرى في القالب وأدخلناها الفرن بدون بيض، وبعد خروجها قسمناها في الأطباق ثم كسرنا البيض فوقها، أي إننا لم نتبع ترتيب الخطوات الصحيح، فلن نحصل بالطبع على النتيجة المرجوة. ولهذا السبب، فإن امتلاك ترتيب صحيح في برنامجنا اليومي أمر بالغ الأهمية.

مكافأة: الإرادة والوعي


إن مسألة الالتزام بالبرنامج، إلى جانب كل المواد التي ذكرناها، هي في الحقيقة مسألة وعي. وهذا الأمر يتعلق بالحياة كلها بشكل عام. وهو ينطبق على الأمور التي نرغب في فعلها، والأمور التي نرغب في تركها/عدم فعلها، والقواعد والبرامج التي يجب علينا الالتزام بها، والأشياء التي نريد تعلمها وتحقيقها. فالأمر كله يبدأ وينتهي في العقل. ما هي أسهل طريقة لفعل شيء ما؟ هي أن تفضله وتفعله. يظن الجميع أنهم يعرفون هذا الموضوع، لكن معظم الناس لم يستوعبوه عمقاً. وهذا الموضوع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع الحدود الذي ذكرناه في مقال الرياضة. إن أسهل طريقة لفعل شيء ما، مثل نقل كوب من نقطة إلى أخرى، هي أن تقوم بنقله. أن تتحرك، وتبدأ الفعل، وتفعل ما يلزم ولا تؤجل. في الواقع، إن أداء عمل ما، أو مسؤولية ما، أو الوصول إلى هدف، أو تعلم شيء ما، هو بهدف هذه البساطة. أو كف البصر عن الحرام، أو أداء الصلاة. فالأمر يتلخص في فعل ما يجب فعله وترك ما لا ينبغي فعله. نحن جميعاً نعرف هذا في أعماقنا. فلماذا لا نستطيع الفعل إذاً؟ بسبب الحدود والعوائق والتصنيفات الذهنية في عقولنا. أحياناً نتكاسل، وهذا عائق يضعه النفس. وأحياناً نقول "لماذا أفعل أنا وليس غيري"، وهذا عائق يضعه الشيطان. وأحياناً نقول "كيف سأفعل هذا، أنا لا أستطيع"، وهذا عائق نضعه نحن بأنفسنا. وأحياناً نقول "أنا لا أستطيع فعل هذا، فالجميع يقول ذلك"، وهذا عائق وضعه الآخرون. بداية، من المفيد التنبيه ومن المهم جداً فهم أن العوائق ستظل موجودة دائماً في هذه الحياة. فالحدود والتصنيفات والعوائق ستوجد دائماً ولا يوجد سبيل للتخلص منها تماماً. يمكن تقليلها، لكن لا يمكن الخلاص منها بالكلية. تذكروا أن هذا العالم ليس مكاناً للاستجمام بل هو دار ابتلاء. يقول المثل الإنجليزي: "لا يمكنك أن تطلب شخصية قوية وحياة سهلة في آن واحد، فسعر أحدهما هو الآخر". كما أن مقولات مثل "لا كسب بدون ألم"، "لا مكافأة بدون مخاطرة"، "من أحب الورد تحمل شوكه"، "الأشياء الجميلة صعبة وتطلب جهداً"، "الضربة التي لا تقتلك تجعلك أقوى"، و"من تجرأ فاز" هي مقولات شعبية تدعم ما نقوله وتؤكد على المشقة. تذكر أن ما يجعل الفحم ألماً هو الضغط الذي يتعرض له. لهذا السبب، فإن كل من يريد تحقيق شيء في حياته أو الوصول إلى مكانة ما، عليه أن يكون مستعداً لدفع الثمن. وهنا تحديداً يأتي مفهوم الإرادة. ويمكننا تعريف الإرادة بشكل عام على أنها عدم الاعتراف بالعوائق في سبيل الأهداف والغايات. فهل العمل المطلوب هو أخذ ذلك الكوب ووضعه في النقطة الأخرى؟ إذاً فإن القيام بذلك دون الاستماع للكسل وغيره يعني أن إرادة ذلك الشخص أكبر من العوائق الموجودة هنا. ولكن مثلاً، الشخص يريد الاستيقاظ مبكراً ولكنه نام متأخراً في الليل، ولديه نوم ثقيل في الصباح. هنا قد تغطي شدة النوم على الإرادة. ولكن كلما كان هدف الشخص وغايته أكبر وأقوى، انعكس ذلك على إرادته بنفس القدر. فمثلاً، حتى لو نام الشخص متأخراً جداً، فإنه يستيقظ مهما كان الأمر عند انطلاق منبه صلاة الفجر. لأن الهدف هنا أكبر بكثير من العائق، فتكون الإرادة بطبيعة الحال أقوى بكثير. وإذا استخدم الشخص العوامل التي تصغر العوائق لصالح نفسه إلى جانب إبراز الإرادة، فسيكون في موقع أكثر فائدة بكثير. والقول بأن البدء في العمل هو نصف إنجازه مرتبط بهذه النقطة أيضاً. لأن الإرادة تتطلب أكثر ما تتطلب عند البدء في العمل؛ فعندما نبدأ في عمل ما، نكون قد تجاوزنا العوائق مرة واحدة بالفعل. وفي الوقت نفسه، فإن ترك ذلك العمل بعد البدء فيه سيعطي تأثيراً سلبياً وفشلاً علينا، مما يشكل عائقاً إيجابياً يدعمنا. وإلى جانب كل هذا، نزال بحاجة إلى الوعي والإرادة لمتابعة العمل بانضباط وعزيمة. فمثلاً، الاستيقاظ مبكراً لما فيه من ترك راحة النوم ودفئه يكون محبباً للنفس ولذلك يشكل عائقاً لنا. ولكن إذا أظهرنا الإرادة وقُمنا وفي الوقت نفسه حافظنا على دفء أنفسنا بعد الاستيقاظ، فإن هذا سيصغر العائق أكثر، ويجعل الاستيقاظ المبكر أسهل بالنسبة لنا. مثلاً، بدلاً من وضع عوائق أمام أنفسنا بإطلاق تصنيفات سلبية مثل "لا أمتلك الموهبة" في موضوع نهتم به أو نحتاجه، إذا تحدثنا مع أنفسنا بإيجابية، وآمنا بأن الله سيعطي النجاح لمن يعمل وأبرزنا الإرادة والعزيمة اللازمتين، فلن يكون هناك شيء يصعب تحقيقه إن شاء الله. فكثير من الشخصيات التي غيرت مجرى التاريخ لم يكونوا موهوبين الفطرة في كثير من الأمور التي قاموا بها، بل كان بعضهم أسوأ من عامة الناس في البداية. ولكن في نهاية المطاف، فإن ما جعلهم يتقدمون هو اتخاذ هدف كبير، والعمل الجاد، وإبراز الإرادة اللازمة. ونتيجة لكل ذلك، أعطاهم الله النجاح. وكل ما ذكرناه هو عمل الوعي. ولهذا السبب فإن الأمر كله يبدأ وينتهي في العقل. إن جوهر الموضوع هو أن نكون على وعي بالهدف وبالسبب الذي يوجهنا إلى ذلك الهدف، دون الاختباء خلف الأعذار والمشاكل والعوائق والتصنيفات والحدود، بل إبراز الإرادة التي تفعل ما يجب فعله فقط. وهذا هو المطلوب أيضاً للالتزام بالبرنامج. هناك ثلاث طرق للفشل: إما أن تستسلم، أو تذهب عمداً في الاتجاه الخاطئ، أو تموت. وإلا، فإن الشخص الذي يريد النجاح، حتى لو تقدم في الاتجاه الخاطئ في البداية، فإنه يدرك ذلك بالوعي الصحيح ويقوم بتصحيحه. ومن الناحية الشرعية، فقد بُيّن لنا أساساً أن هذه الدنيا دار ابتلاء، كما يُوصى بالصبر باستمرار. وسورة العصر تلخص موضوعنا هذا تماماً: "وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)" سورة العصر 1-3



الأركان الأساسية للبرنامج المثالي وما لا يمكن الاستغناء عنه


بعد أن تطرقنا إلى ما يجب تجنبه عند إعداد البرنامج، تعالوا الآن نلقي نظرة على ما يجب الالتزام به عند وضع البرنامج.

1. البرنامج الديناميكي والمرن

لكي يكون البرنامج قابلاً للالتزام به في جميع الظروف، يجب أن يتمتع ببنية ديناميكية وأن يكون مرناً تماماً كما هو الحال في أوقات الصلاة. ولهذا السبب، فإن تقسيم البرنامج وفقاً لأوقات الصلاة مثلاً سيكون مفيداً للغاية. وبذلك يظل البرنامج ديناميكياً باستمرار، كما يوفر وقتاً مرناً للأعمال في كل قسم. وفي هذه النقطة، فإن ترك وقت فراغ إضافي للأعمال في القسم المعني، تماماً كما في الصلاة، سيزيد من إمكانية التطبيق. يعني مثلاً، إذا وضعت الأعمال بين صلاتي الظهر والعصر بحيث تنجز براحة ويبقى وقت زيادة، فإنه عند انتهاء الأعمال في وقتها يتبقى للشخص وقت للراحة، وحتى لو طرأت مفاجأة، يتم منع اختلال البرنامج وعدم إنجاز الأعمال.

2. وضع الأعمال المناسبة في الأقسام المناسبة

كل شيء في الحياة ذو طبيعة ديناميكية؛ فهناك ارتفاعات وانخفاضات مستمرة. وهذا الوضع ينطبق أيضاً على وظائف أعضاء الجسم البشري خلال اليوم. فساعات معينة من اليوم تكون أكثر ملاءمة لأعمال معينة. فمثلاً، بينما تكون بعض الفترات أكثر ملاءمة للأعمال البدنية، تكون فترات أخرى أكثر ملاءمة للأعمال الذهنية. فما هي أقسام اليوم المناسبة لأي أعمال؟ إن إجابة هذا السؤال موجودة أيضاً في أوقات الصلاة، وفي سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وفي القرآن. وفيما يلي أقسام اليوم والأعمال المناسبة لها من الناحيتين العلمية والشرعية بشكل مختصر:
-فترة السحر - صلاة الفجر: هي ساعات هادئة وقيمة للغاية يجب قضاؤها بالكامل في الراحة والعبادة. ويجب تخصيص هذه الفترة للعبادة والراحة فقط.
-فترة صلاة الفجر - صلاة الظهر: هي الساعات التي يكون فيها الإنسان في أعلى درجات الطاقة والإنتاجية. ويجب تخصيص هذه الفترة للعمل المكثف، والتعلم، والرياضة.
-فترة صلاة الظهر - صلاة العصر: هي فترة تبدأ فيها الطاقة وسرعة تدفق الدم بالانخفاض تدريجياً. ويجب أن تمر هذه الفترة بكثافة متوسطة.
- تُعدّ الفترة بين صلاة العصر وصلاة المغرب الآن فترة ينخفض فيها ضغط الدم بشكل ملحوظ. لا ينبغي تأجيل الأعمال إلى ما بعد هذا الوقت من اليوم، وينبغي أن تكون هذه الفترة خفيفة قدر الإمكان. وينبغي تخصيص هذه الفترة للراحة وقضاء الوقت مع الأسرة. بالإضافة إلى ذلك، من السنة اغتنام وقت العصر بالذكر والعبادة.
-فترة صلاة المغرب - صلاة العشاء: هي الفترة الأخيرة التي ينتهي فيها اليوم، حيث يجب تفريغ الذهن وإدخال الجسم تدريجياً في وضع النوم.
-فترة صلاة العشاء - وقت السحر: هي الفترة الأكثر إنتاجية وأهمية للنوم.

3. مكانة الدين في البرنامج اليومي

بالنسبة لنا نحن المسلمين، ليس المهم هي هذه الحياة الدنيا الفانية والمؤقتة، بل دارنا الحقيقية والأبدية وهي الآخرة. وسعادة حياتنا في الآخرة مرتبطة بحياتنا في هذه الدنيا. ولهذا السبب، عند وضع برنامجنا اليومي، يجب أن نمنح الأولوية القصوى للعبادات والواجبات الدينية التي تحيي قلوبنا وإيماننا، وتذكرنا بديننا وغاية وجودنا. وحتى بعض التطبيقات البسيطة في هذا الصدد قد تحقق فائدة عظيمة بإذن الله. فمثلاً، بدء اليوم بالقرآن وإنهائه بالقرآن أمر بالغ الأهمية؛ فهذا ينتشلنا من الأحداث التي نتعرض لها خلال اليوم ويربطنا مجدداً بالوحي الإلهي، كما يرسخ أهمية القرآن في حياتنا وفي وعينا بشكل أقوى. أضف إلى ذلك أنه يفرغ الذهن ونسأل الله أن يكسبنا الأجر. بالإضافة إلى ذلك، فإن القراءة اليومية الثابتة من القرآن والحديث، طالما كانت قليلة ودائمة، ستجعلنا مشغولين باستمرار بالمصادر الأساسية لديننا، وتحيي قلوبنا، وتغذي محبة الإسلام والله (عز وجل) والنبي (صلى الله عليه وسلم) في أفئدتنا.

4. الاستيقاظ/النوم مبكراً والنوم الصحيح

بما أننا تطرقنا إلى أهمية النوم في مقال النوم، فلا داعي لشرح هذا الموضوع واستعراض أدلته هنا لإطالة المقال. ولكن يمكننا التطرق باختصار إلى موضوع الاستيقاظ مبكراً والنوم مبكراً. كما جاء في الأحاديث الصحيحة، فإن أوقات الصباح مبارك فيها. وأيضاً عند النظر إلى حياة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، نجد أنه كان شخصاً ينام مبكراً ويستيقظ مبكراً. ويمكن ملاحظة هذا الوضع لدى العديد من رجال الأعمال والرياضيين الناجحين سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين. لأن النوم مبكراً والاستيقاظ مبكراً لا يدعم ويقوي الصحة العقلية والبدنية فحسب، بل يدعم ويقوي إرادتنا وانضباطنا أيضاً.

5. الرياضة خلال اليوم

بما أننا تطرقنا إلى أهمية موضوع الرياضة في مقال الرياضة، فلا داعي للدخول في التفاصيل الكثيرة هنا أيضاً. ولكن يجب أن يتضمن برنامجنا اليومي الرياضة حتماً. فالرياضة لا توفر فوائد بدنية فحسب، بل تدعم صحتنا العقلية في الوقت نفسه، وتساهم إيجابياً في أنشطتنا الأخرى من خلال تقوية الانضباط والإرادة والتركيز.

6. تقييم اليوم وبرمجته

تعتبر التغذية الراجعة (المراجعة) من أهم مفاتيح التطوير في كل موضوع تقريباً. وهذا الوضع ينطبق على معظم المجالات من محاسبة النفس إلى تقييم اليوم. إن تقييم اليوم كل مساء يتيح لنا رؤية تطورنا، ويساهم في فهم ما ينجح وما لا ينجح. بالإضافة إلى ذلك، حتى لو كان برنامجنا اليومي ثابتاً، فقد تكون هناك اختلافات صغيرة يومياً، لذا فإن تناول أعمال ذلك اليوم بشكل خاص في الصباح قد يساهم في تفريغ أذهاننا والتركيز على أعمالنا. وتقييم اليوم مهم بشكل خاص لأن محاسبة أنفسنا كل يوم قبل أن نموت ونحاسب في القبر هي بالطبع أخف بكثير. وعملية برمجة اليوم يمكن أن تتم من المساء أيضاً حسب الظروف.

وبصرف النظر عن هذه، يمكننا تقديم بضع نصائح صغيرة وعامة أخرى:
-حدد هدفاً رئيسياً واحداً لكل يوم. وحدد هدفاً رئيسياً لكل أسبوع وشهر وسنة.
-ليكن لديك هدف كبير واحد أو بضعة أهداف كبيرة لليوم الواحد. حدد المهام الرئيسية بـ 5 مهام كحد أقصى، وقم ببرمجتها وتطبيقها حسب ترتيب الأهمية.
-برمج المهام حسب ترتيب الأهمية؛ برمج الأكثر أهمية أولاً، ثم المتبقي بالترتيب.
-خصص وقتاً للراحة حتماً، ولا تستهلك نفسك.
-حدد أوقات الفراغ واستغلها بشكل صحيح.
-قانون باركينسون: إذا أعطيت عملاً ما ساعتين فسيتمدد في ساعتين، وإذا أعطيته 30 دقيقة فسيستغرق 30 دقيقة. حدد الوقت اللازم للأعمال بشكل صحيح ولكن اترك هامشاً للخطأ.
-لديك كل يوم 86,400 ثانية لا يمكن نقلها للغد ولا تجديدها؛ استغلها جيداً ولا تضيعها كلها بسبب مشاكل في جزء صغير منها.
-اعمل بذكاء وصحة واستمرارية ولو كان قليلاً.
-إذا لزم الأمر، يجب التنازل عن الأنشطة غير المهمة في سبيل الأهداف المهمة.
-كن واعياً وحذراً تجاه المشتتات والمؤثرات، خاصة المشتتات الرقمية.
-لا تنتقل إلى الأجهزة الرقمية إلا إذا كان لديك عمل، وافعل العمل الذي انتقلت لأجله فقط.
-برمج يومك جيداً؛ وأقم التوازن بين أعمالك، ونفسك، وأحبائك، واحتياجاتك.
بالإضافة إلى ذلك، بضع نصائح صغيرة لمن يواجهون مشاكل في الالتزام بالبرنامج رغم كل هذا:
-كل 30 دقيقة، اسأل نفسك ماذا فعلت في الفترة السابقة.
-دون أصغر شيء تفعله خلال اليوم، وفي نهاية اليوم حدد أكبر مضيعات الوقت من هذه القائمة وقم بتغييرها.
-انظر إلى ما سيتم عمله، وما هو قيد التنفيذ، وما انتهى، وحدد ما الذي يتعطل ولماذا.
-قارن يومك المثالي بيومك الحقيقي، وحدد المشاكل وقم بتصحيحها.
-صحح مشكلة واحدة كل يوم/أسبوع.

نعم، وبذلك نكون قد وصلنا إلى نهاية مقالنا هذا أيضاً. في هذا المقال، وبالاستفادة من مقالينا الآخرين، تعلمنا أهمية البرنامج، وأسباب عدم القدرة على الالتزام بالبرنامج، والمواد اللازمة للبرنامج المثالي. وبهذا المقال نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه السلسلة. نسأل الله أن نكون قد قدمنا الفائدة. وننتظر منكم صالح الدعاء. وأخيراً أود أن أشير إلى أن الأمور التي ذكرناها في المقالات الثلاثة هي أمور عامة تنطبق على الجميع غالباً ويمكن للجميع تطبيقها تقريباً، ولكن يمكن للأفراد إجراء إضافات بناءً على حالاتهم واحتياجاتهم الخاصة. وأخيراً لنلخص ما تعلمنا وننهي مقالنا.

ملاحظة مهمة: بالإضافة إلى ما ورد هنا، يجب أيضًا دمج الأمور المذكورة في موضوعَي النوم والرياضة ضمن البرنامج المثالي في هذا البرنامج. فعلى سبيل المثال، ممارسة التمارين الرياضية بعد كل وقت من أوقات الصلاة، وأداء الأذكار والاستعدادات والعبادات بعد الاستيقاظ/قبل النوم.

ملخص الموضوع:

التخطيط والبرمجة يحملان أهمية حاسمة للنجاح. وتخطيط اليوم مفيد جداً لتنظيم الحياة والأعمال. ولكن قد لا يكون من الممكن الالتزام ببرنامج لم يتم إعداده بشكل مناسب. هناك نقاط يجب مراعاتها لإعداد برنامج مناسب. فالنوم الصحيح والرياضة يحملان أهمية حيوية للبرنامج الصحيح. وفيما يلي النتائج التي تم التوصل إليها بنتيجة البحوث العلمية والشرعية للبرنامج الأساسي المثالي:

البرنامج اليومي الأساسي:

  • صلاة الفجر - صلاة الظهر:
    • الاستيقاظ
    • تخطيط اليوم
    • قراءة القرآن + الحديث
    • الإحماء، الإطالة والرياضة
    • التعلم
    • الأعمال المهمة
  • صلاة الظهر - صلاة العصر:
    • الأعمال اليومية
    • المهام اليومية
  • صلاة العصر - صلاة المغرب:
    • الراحة
    • العائلة
  • صلاة المغرب - صلاة العشاء:
    • وقت بعيد عن الشاشات والطعام
    • تقييم اليوم
    • قراءة القرآن
  • صلاة العشاء - صلاة الفجر:
    • النوم
    • التهجد

إن أصبنا فمن الله وحده، وإن أخطأنا فمن أنفسنا. نسأل الله أن يكون نافعاً.
داعياً أن يكون سبباً للخيرات. وننتظر صالح دعواتكم.
سلام عليكم.


: Program, Schedule, Rehber, Guide




6 .



:


~⚜~